الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قابلية بعضهم في عصر ، أو جهة ، لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة ، وبعض شؤون الربوبية كالإتيان في ظلل من الغمام ، والرؤية ، والكلام ، ونحو ذلك . وثانيتها : معان قصد إشعار المسلمين بها ، وتعيّن إجمالها ، مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات : كحروف أوائل السور ، ونحو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ * [ البقرة : 29 ] « 1 » . ثالثتها : معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها ، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرّب معانيها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات اللّه نحو الرحمن ، الرؤوف ، المتكبّر ، نور السماوات والأرض . رابعتها : معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنيّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [ يس : 38 ] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحجر : 22 ] يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ [ الزمر : 5 ] وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ المؤمنون : 20 ] زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] وذكر سدّ يأجوج ومأجوج « 2 » . خامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلّا أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب اللّه تعالى : لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية ، وتوقّف فريق في محملها تنزيها ، نحو : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [ الذاريات : 47 ] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] « 3 » . وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : قريش

--> ( 1 ) لعل لفعل استوى خصوصية في اللغة أدركها أهل اللسان يومئذ كان بها أجدر بالدلالة على معنى تمكن الخالق من مخلوقه ولذلك اختير في الآيتين دون فعل غلب أو تمكن . ( 2 ) هذه الآيات دلت على معان عظيمة كشفتها العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخية والجغرافية وتفصيلها يحتاج إلى تطويل . ( 3 ) إذ تطلق العين على الحفظ والعناية قال النابغة - عهدتك ترعاني بعين بصيرة - وتطلق اليد على القدرة والقوة قال : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ . ويطلق الوجه على الذات تقول : فعلته لوجه زيد .